سوق الكارنيهات الوهمية».. كيف تحولت سخرة «صحف بير السلم» إلى انتحال صفة وجريمة نصب؟
«سوق الكارنيهات الوهمية».. كيف تحولت سخرة «صحف بير السلم» إلى انتحال صفة وجريمة نصب؟
القاهرة — [زاج نبوز]
أعادت واقعة المشادة الشهيرة لـ «فتاة أوبر» التي ادعت عملها الصحفي مستندة إلى هويات صادرة عن كيانات غير رسمية، تسليط الضوء على الأزمة الهيكلية المزمنة التي تؤرق الجسد الصحفي في مصر: فوضى الكيانات الموازية وتجارة الهويات الصحفية الوهمية.
لم تعد القضية مجرد تصرف فردي لادعاء نفوذ أو صفة، بل كشفت عن شبكة معقدة تستغل الفراغات التنظيمية والثغرات القانونية للتكسّب غير المشروع من طموح الشباب الراغبين في دخول عالم الصحافة والإعلام، مما بات يهدد أمن المجتمع ومصداقية مهنة البحث عن الحقيقة.
ثغرة «الترخيص الأجنبي».. الالتفاف على القانون باسم «الأوفشور»
تستغل العشرات من المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية ثغرة تأسيس شركات «مساهمة» أو «أوفشور» في الخارج (في دول عربية أو أوربية)، لافتتاح مكاتب لها داخل مصر دون الحصول على الموافقات الصريحة والتراخيص الرسمية من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (وفقاً للقانون رقم 180 لسنة 2018).
هذه المنصات، التي يطلق عليها الكاتب والوسط الصحفي «صحف بير السلم»، تعمل بعيداً عن أي رقابة مالية أو مهنية، وتعتمد على سخرة الشباب بوعود براقة، بل وصل المطاف ببعضها إلى بيع "كارنيهات الممارسة" للراغبين مقابل مبالغ مالية متفاوته، متوهمين أن حمل هذه الهويات يمنحهم حصانة أو صفة رسمية أمام الجهات الحكومية والأمنية.
النصب الخفي.. أسماء تتشابه وزيف يخدع الجمهور
على الجانب الآخر، تبرز ظاهرة الجمعيات والمراكز التدريبية التي تطلق على نفسها عمداً مسميات قريبة من الكيانات الرسمية، مثل «النقابة العامة للصحافة والإعلام» أو «النقابة المستقلة للصحفيين».
تطبع هذه الكيانات بطاقات عضوية تتشابه في تصميمها مع بطاقات نقابة الصحفيين الرسمية لخدع المواطنين والمسؤولين. وأكد خبراء قانونيون لـ [زاج نيوز] أن هذه الممارسات لا تمثل مجرد مخالفة إدارية، بل تُعد صراحة جرائم نصب واحتيال (المادة 336 من قانون العقوبات) وانتحال صفة ووظائف عامة (المادتان 155 و156 من قانون العقوبات).
الحسم القانوني.. من هو الصحفي في نظر القانون المصري؟
تؤكد التشريعات المصرية بوضوح لا يدع مجالاً للبس أطر الممارسة الإعلامية والصحفية، وتتحدد الصفة الرسمية حصراً في ثلاث فئات:
- الصحفي الممارس: هو المقيد حصراً بجدول نقابة الصحفيين بموجب القانون رقم 76 لسنة 1970.
- الإعلامي: هو المقيد بنقابة الإعلاميين (للعاملين في الوسائل المرئية والمسموعة) بموجب القانون رقم 93 لسنة 2016.
- المراسل الأجنبي: المعتمد رسمياً عبر المركز الصحفي للمجلس الأعلى للإعلام وهيئة الاستعلامات المصرية.
وما دون ذلك، فإن حمل أي هوية إعلامية من موقع غير مرخص أو كيان موازٍ لا يسبغ على صاحبه أي حماية قانونية أو صفة صحفية، بل يضعه تحت طائلة المساءلة الجنائية حال استخدامها للاستعراض أو قضاء المصالح.
خارطة طريق للمواجهة.. 3 مطالب حاسمية لضبط المشهد
لتدارك هذه الفوضى وإغلاق سوق الكارنيهات الوهمية، تتجه أنظار الجماعة الصحفية ومجلس نقابة الصحفيين نحو فرض حزمة من الإجراءات التشريعية والتنظيمية العاجلة:
- تفعيل الحجب والمنع: إغلاق وحجب جميع المواقع والمنابر التي تمارس النشاط الصحفي داخل مصر بترخيص أجنبي دون الحصول على تصريح مسبق من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
- ملاحقة الكيانات الموازية: تجريم الجمعيات والشركات التي تطلق على نفسها مسمى "نقابات إعلامية" ومصادرة مطبوعاتها وتطبيق عقوبات رادعة على القائمين عليها بتهمة النصب وتزوير الهويات.
- التنسيق مع مؤسسات الدولة: تعميم توجيهات أمنية وإدارية لجميع الجهات والوزارات بعدم الاعتراف سوى ببطاقات العضوية الصادرة من مقر نقابة الصحفيين (4 شارع عبد الخالق ثروت - القاهرة).
تبقى المعركة الجارية أبعد من مجرد واقعة فردية؛ إنها معركة الدفاع عن شرف المهنة، وحماية عقول الجمهور من التضليل، وصيانة حقوق الصحفيين الحقيقيين الذين يخضعون لأطر قانونية وميثاق شرف أخلاقي صارم.


التعليقات على الموضوع